الحل الأمني لا يكفي لمواجهة تيار العنف الإسلامي
أجرت صحيفة الغد الأردنية حوارا مع الشيخ د.عمر عبدالكافي
و إليكم نص المقال:
أجرى الحوار محمد أبو رمان
الدكتور عمر عبدالكافي من الدعاة الإسلاميين المشهورين على الساحة الإعلامية العربية، وله العديد من المريدين في العالم العربي والإسلامي، وقد برز اسمه في الإعلام من خلال ما عرف بظاهرة "الفنانات المحجبات" اللواتي تأثر عدد كبير منهن بدعوته، ويجمع عبدالكافي بين المعرفة العامة والمعرفة الشرعية، فقد ولد بالمنيا في صعيد مصر وحفظ القرآن وعمره عشر سنوات، فيما نال درجة الدكتوراه في العلوم الزراعية، وحصل على الماجستير في الفقه المقارن، وله موقع مشهود على شبكة الانترنت يضم محاضراته ودروسه ونوافذ للتواصل مع جمهوره.
في هذا الحوار تناقشنا مع الدكتور عبدالكافي في العديد من القضايا الفكرية والفقهية، وفي مقدمتها انحسار تيار التجديد والانفتاح في الخطاب الإسلامي المعاصر وسيادة منطق فقهي وفكري متشدد لدى كثير من الناس، وكذلك انتشار فكر العنف والتكفير، كما تناول الحوار ظاهرة الفنانات المحجبات. (...)
وللأمانة أقول أن أبرز ما التقطته في حواري مع عبدالكافي أنني لم أصب بـ "الدهشة" لمستوى مختلف ومتميز من الخطاب والرؤية التجديدية الفقهية، لكن أبرز ما يميز الشخصية الدعوية لعبدالكافي هي القدرة على بناء الخطاب الجميل البسيط والكلمة الرقيقة التي تقارب بين الناس وبين دواعي الإيمان والخير، وتجعل العلاقة بين المتدين والعصر أكثر سهولة وأقل كلفة وتعقيدا، (...)
- هناك مسألة تلحّ عليّ كثيرا يمكن ان اصوغها من خلال السؤال التالي: هل هناك ازمة في قدرة المسلم اليوم على التفاعل مع مقتضيات العصر مع احتفاظه بتدينه وايمانه?
* الازمة الحقيقية اليوم هي في عدم تفهم المسلمين لحقيقة الاسلام, ثم ان كثيرا من المسلمين افعالهم تناقض اقوالهم, وقد اصبح حال العربي المسلم اليوم اشبه بـ "المكلمة" يتكلم صباح مساء, ولا يعمل صباحا ولا مساءً. ويرتبط بذلك ان كثيرا من المسلمين لا يجيدون حمل هم الاسلام, وكأننا اصبحنا أمة غير الامة التي تركها الرسول (صلى الله عليه وسلم) على المحجة البيضاء.. ليلها كنهارها. كما أن وسائل الاعلام الضخمة تترك أثرا سلبيا, اذ هزت ما يعتبر حقائق لدى كثير من الناس ليس لهم معرفة حقيقية بدين الله لا قليل ولا كثير.
لكن كل مسلم يستطيع ان يتعامل مع متغيرات العصر في اي وقت وأي مكان, طالما يفهم دين الله حق الفهم, وعظمة الدين أنه غير مرتبط باتباعه قوة أو ضعفا, لأنه قوي بذاته, بينما كل الاديان والأفكار الأخرى ترتبط بقوة اتباعها وضغفهم, ويستثنى من هذه القاعدة الاسلام. وهذه حقيقة بارزة للعيان يعرفها القاصي والداني.
- لكن الا تعتقد أن الحياة الايمانية العصرية -إن صحّ التعبير- تتطلب فقها اسلاميا نوعيا متجددا وخطابا وعظيا متقدما على خلاف النموذج العام الذي نرصده اليوم في كثير من المؤسسات الاسلامية وفي خطب ودروس المساجد?
* هذا صحيح, أولا يجب أن يتولى موضوع الخطاب الاسلامي للمسلمين ولغيرهم النخبة, فليس كل من صعد منبرا أو قرأ كتابا صار من الذين يصوغون ويقدمون الخطاب الاسلامي, إذ أننا نقدم في كل التخصصات اكثر الناس خبرة ومعرفة, لكن عندما نأتي الى الخطاب الاسلامي نجد أنه يتصدى له كل من حصل على شهادة شرعية, مع أنه قد لا يصلح لذلك، فالأمر اكبر من مجرد الحصول على شهادة شرعية, فلا بد ان يلم الداعية بعلوم العصر والا ينفصل عن واقع المسلمين.
وأضرب مثالا توضيحيا: هل يستطيع عالم أن يفتي مريضا بمرض (الكلى) بأن يفطر ولا يصوم الا بعد ان يستعين هذا الفقيه بطبيب متخصص في الكلى حتى تكون الفتوى على أساس متين من العلم?!. بمعنى يجب ان يكون في كل دولة "مجمع فقهي" يجمع عالم الدين والطب والبيئة والعلوم الانسانية حتى تخرج الفتاوى مطابقة لكتاب الله ومحققة لمراد الشرع, وملمة بواقع الامة ونوازله, فالاسلام ليس فقط صالحا لكل زمان ومكان، بل ومصلح لكل زمان ومكان.
- حسنا, لكن الا تجد ان هناك نكوصا في الخطاب الاسلامي على المستوى الفقهي والفكري, ففي بدايات القرن الماضي سادت مدرسة التجديد والاصلاح ووجد علماء مجتهدون ومنفتحون كمحمد عبده ورشيد رضا وابن باديس، أما اليوم فالتيار السائد والنافذ في الاوساط الشعبية هو التيار الفقهي والفكري المتشدد, بينما تيار الاصلاح والانفتاح يكاد يكون نخبويا ومعزولا, فأين المشكلة برأيك؟
* المشكلة تكمن ان بعض الدعاة يواكبون الجماهير في افكارهم ويخشون التجديد تحسبا لرفض الجماهير, لان الانسان بطبيعته عدو لكل جديد! ونحن لا نقول جديدا بعيدا عن أطر الثوابت الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة, لكن تتغير الفتوى بتغير المكان والزمان والاحوال والاشخاص.
والجماهير قد اعتادت نمطا معينا من الخطاب وليس سهلا عليهم ان يتقبلوا خطابا جديدا يهز احيانا ما يعتبرونه ثوابت عندهم ظنوا انها من العلوم من الدين بالضرورة. وهذا يضع على عاتق الدعاة الذين يحاولون تجديد الخطاب الاسلامي أمرين اثنين:-
الاول: الا يكلوا ولا يهنوا من عدم استماع عوام الناس لهم او الانكارعليهم.
الثاني: يجب ان يخلصوا الدين لله كي تفتح لهم قلوب الجماهير.
- كيف تفسر انتشار تيار "العنف الاسلامي" في الفترة الاخيرة, وهل هذا التيار تعبير صادق عن الجهاد؟. انه انعكاس للعدمية وفقدان الامل والمشاكل الاجتماعية والثقافية?
* نحن تغافلنا كثيرا عن تربية ابنائنا على المفاهيم الصحيحة للكتاب والسنة, وتركناهم لانصاف المتعلمين, ابناء الكتب، الذين صار الكتاب لهم شيخاً, فما تربى على يد عالم ولا جلس عند اقدامه يستمع ويستفيد ويتعلم, فلما انكب هؤلاء على فكر محدود ليس فيه روح التربية خرجوا على الأمة كلها, إمّا بتكفيرها أو باساءة الظن بها او باستخدام العنف ضدها.
ولا انكر هنا دور الغرب وما يصنعه بالعالم الاسلامي والكيل بمكيالين, والانحياز دوماً للظالم ضد المظلوم كما قال حكيم العرب: "يرضى القتيل وليس يرضى القاتل".
من ناحية اخرى يفاقم مشكلة تيار العنف سوء تصرف بعض الاجهزة والجهات الامنية - في بعض الدول الاسلامية - التي تولت وحدها علاج هذه الظاهرة، مما زاد من تداعياتها السلبية, وحال العلاج الامني كمن يمسك الموضوع من ذيله وليس من رأسه.
لا تقطعن ذنب الافعى وترسلها
ان كنت شهما فاتبع رأسها الذنب
بمعنى, اننا اذا اردنا مواجهة حقائق الامور يجب أن تتعاون الاجهزة الامنية مع الاعلاميين والكتاب المخلصين لتوجيه الدفة وتحريك المياه الراكدة. أما ان أخطُبَ خطبة او ألقي درسا ثم يذهب الشاب الى المنزل ليرى على الشاشة ما لا يتوافق مع قيم واخلاق الاسلام, فاما ان يحدث له انفصام بالشخصية، أو رد فعل سيئ عليه وعلى مجتمعه الذي يعيش فيه، أو تؤثر عليه افكار اخرى كتكفير المجتمعات والخروج على الحكام.
إلى الآن, كأننا نخفي رأسنا في الرمال ولا نريد ان نرى الحقائق, وظاهرة "العنف الاسلامي" علاجها ليس امنيا فقط ولا دعويا فقط, لكن يجب على المسلمين ان يعالجوا المشكلة من جذورها ويرتبط بذلك رفع الظلم عن المظلومين، والعمل على تكافؤ الفرص، وعدم اضطهاد الشاب المسلم بسبب تدينه وكأن هذا التدين وصمة عار له!
* قيل ان هناك دورا كبيرا لكم في ظاهرة "الفنانات التائبات" لكن المشكلة ان هذه الظاهرة أخذت بعدا اعلاميا مبالغا فيه, وقامت العديد من الفنانات فجأة بتولي مسؤولية الفتوى والتنظير الاسلامي, وسؤالي: هل تعتقد ان هذه الظاهرة صحية?
- الغريب انه عندما يعتزل مهندس عمله او صحافي فلا تقوم الدنيا, ويعتبر الموضوع بمثابة الحرية الشخصية, اما فنانة معتزلة رأت انه لا فائدة فيما تصنع، وارادت ان تعتزل هذا النمط من الحياة فتصبح مادة للإعلام والتحليل والتقول، ولو اتقى الاعلام العربي رب العباد لترك هذه الفنانة بحالها. لكن الاعلام هاجمها واتهمها بأمور مختلفة وكثيرة, نتيجة اعتزالها. وأقول: ربما صنع هذا الادعاء الاعلامي عند بعض الفنانات المحجبات رد فعل, فخرجت على الاعلام تدافع عن تجربتها, والشيطان له مداخله, فيفتح عليها ابوابا جديدة بان تتحدث بالدين وتحلل وتحرم، وهذا لا نوافق عليه ابدا.
وكان من باب اولى ان الفنانات المعتزلات اذا احتجن الى عمل بعد الاعتزال ان يعملن بالتدريس لاطفالنا. وان يكن قدوة حسنة لهذا الجيل, فيتأثر الاطفال بهن بعدما رأوهن في عالم النجومية والشهرة، بينما تعود اليوم إلى عالم التربية والقدوة والتوجيه.
المصدر: صحيفة الغد الأردنية 29.07.2005
آخر تحديث ( الجمعة, 21 أغسطس 2009 20:48 )




